الشيخ محمد رشيد رضا

90

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من الناس فهذا هو الذي كان الناس يفعلونه قبل الاسلام ونهى عنه النبي ( ص ) ونص الحديث الذي أشار اليه السائل « انه ليس بدواء ولكنه داء » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وسببه ان طارق بن سويد الجعفي سأل النبي عن الخمر وكان يصنعها فنهاه عنها ، فقال إنما اصنعها للدواء . فقاله . وقوله « ولكنه داء » هو الحق وعليه اجماع الأطباء ، فان المادة المسكرة من الخمر سم تتولد منه امراض كثيرة يموت بها في كل عام ألوف كثيرة ، والسموم قد تدخل في تركيب الأدوية ، ولكن الذين يشربون الخمر ولو بقصد التداوي بها لا يلبثون أن يؤثر في أعصابهم سمها ، فتصير مطلوبة عندهم لذاتها ، أي لا لمجرد التداوي بها ، فيتضررون بسمها ، فلا يغترن مسلم بأمر أحد من الأطباء بالتداوي بها لمثل ما يصفونها له عادة ، واللّه الموفق اه هذا ما أجبنا به عن ذلك السؤال ونزيد في إيضاحه بالقواعد الشرعية واعتبار القياس فنقول : ان المقدار المسكر من الخمر محرم لذاته أي لما فيه من الضرر والمفاسد التي بينا أنواعها في تفسير آية البقرة - وما دون ذلك محرم لسد الذريعة كما بيناه في تفسير هذه الآيات . والقاعدة ان ما حرم لذاته يباح للضرورة ان كان مما يضطر اليه كأكل الميتة ولحم الخنزير ، ومنه شرب الخمر كما تقدم في الفتوى آنفا ( وليس منه مثل الزنا كما لا يخفى ) ويعبرون عن هذه القاعدة بقولهم « الضرورات تبيح المحظورات » وإذا وصل التداوي بالخمر إلى حد الاضطرار اليه بشهادة الثقة من الأطباء يجب ان يراعى فيه قاعدة « الضرورات تقدر بقدرها » فلا يجوز الزيادة على ما يقوله الطبيب حتى إذا حدده بالنقط امتنع زيادة نقطة واحدة . وأما المحرم لسدّ الذريعة فقد يباح للحاجة كرؤية الطبيب لعورات الرجال والنساء لأجل التداوي ، فالتداوي بالخمر على هذا جائز مطلقا أو إذا لم يوجد غيره يقوم مقامه ، وعده بعضهم كتداوي العرنيين بأبوال الإبل بناء على أن علة المنع أن كلامنهما نجس عند القائلين بذلك من الفقهاء كالشافعية . وظاهر حديث طارق بن سويد ان الخمر لا يجوز ان يكون دواء فيكون مستثنى من القاعدة ولا قياس مع النص . هذا إذا كان التداوي بالخمر مباشرة لغير اضطرار ، أما دخول نقط من الخمر في علاج مركب تكون أجزاء الخمر فيه مغلوبة غير ظاهرة ولا من شأنها أن تسكر فلا يدخل في ذلك فهو كالقليل من الحرير في الثوب